اليعقوبي
173
تاريخ اليعقوبي
علي في هذا بعض الوحشة ، وتلاحيا كلاما ، فلم يزل أبو ذر بالربذة حتى توفي . ولما حضرته الوفاة قالت له ابنته : إني وحدي في هذا الموضع ، وأخاف أن تغلبني عليك السباع . فقال : كلا إنه سيحضرني نفر مؤمنون ، فانظري أترين أحدا ؟ فقالت : ما أرى أحدا ! قال : ما حضر الوقت ، ثم قال : انظري ، هل ترين أحدا ؟ قالت : نعم أرى ركبا مقبلين ، فقال : الله أكبر ، صدق الله ورسوله ، حولي وجهي إلى القبلة ، فإذا حضر القوم فاقرئيهم مني السلام ، فإذا فرغوا من أمري ، فاذبحي لهم هذه الشاة ، وقولي لهم : أقسمت عليكم إن برحتم حتى تأكلوا ، ثم قضي عليه ، فأتى القوم ، فقالت لهم الجارية : هذا أبو ذر صاحب رسول الله قد توفي ، فنزلوا ، وكانوا سبعة نفر ، فيهم حذيفة بن اليمان ، والأشتر ، فبكوا بكاء شديدا ، وغسلوه ، وكفنوه ، وصلوا عليه ، ودفنوه . ثم قالت لهم : إنه يقسم عليكم ألا تبرحوا حتى تأكلوا ! فذبحوا الشاة ، وأكلوا ، ثم حملوا ابنته ، حتى صاروا بها إلى المدينة . فلما بلغ عثمان وفاة أبي ذر قال : رحم الله أبا ذر ! قال عمار : نعم ! رحم الله أبا ذر من كل أنفسنا ، فغلظ ذلك على عثمان . وبلغ عثمان عن عمار كلام ، فأراد أن يسيره أيضا ، فاجتمعت بنو مخزوم إلى علي بن أبي طالب ، وسألوه إعانتهم ، فقال علي : لا ندع عثمان ورأيه . فجلس عمار في بيته ، وبلغ عثمان ما تكلمت به بنو مخزوم ، فأمسك عنه ، وسير عبد الرحمن بن حنبل صاحب رسول الله إلى القموس من خيبر ، وكان سبب تسييره إياه أنه بلغه كرهه مساوئ ابنه وخاله ، وأنه هجاه . وكان عثمان جوادا وصولا بالأموال ، وقدم أقاربه وذوي أرحامه ، فسوى بين الناس في الأعطية وكان الغالب عليه مروان بن الحكم بن أبي العاص ، وأبو سفيان بن حرب ، وعلى شرطه عبد الله بن قنفذ التيمي ، وحاجبه حمران ابن أبان مولاه . ونقم الناس على عثمان بعد ولايته بست سنين ، وتكلم فيه من تكلم ،